حوار مع مواطن عالق في مياة الامطار - تفانيش حوار مع مواطن عالق في مياة الامطار - تفانيش

728x90 AdSpace

أخر الأخبار

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

حوار مع مواطن عالق في مياة الامطار

حوار مع مواطن عالق في مياة الامطار

توقف عقلي للحظات عن استيعاب رد الرجل المسن وهو عالق في مياه الأمطار التي تُغطي منتصف قدميه، عندما كنا نعبر الشوارع بحركات بهلوانية، لا تتناسب مع كهولته وشيخوخته، تلتقط أنوفنا مجموعة كبيرة من روائح أكوام القمامة التي تطفو فوق مياه الأمطار المختلطة بمياه الصرف، غير الصحي.

عندما مازحته لأخفف عنه الشقاء والبؤس اللذان يكسوان ملامحه، وملابسه الرثة التي تنم على فقره المدقع "تصدق يا حاج البلد دي فعلًا ما ينفعش معاها غير راجل عسكري"، رمقنى بنظرة عابرة ليتفحص صاحب هذه المقولة قبل أن يتلفظ الرجل بألفاظ يصعب كتابتها، لأنها تحتوي على عبارات سب وقذف في جميع المسؤولين الجاثمين على أنفاس هذا الوطن، يُعاقب عليها القانون، وستؤدي حتمًا إلى سجن صاحب هذه الكلمات لمشاركته الهجاء مع الرجل الكهل على هؤلاء المسؤولين.
 
هذا البلد بائس من رأسه حتى أخمص قدميه، قالها لي المسن بكلماته "العامية"، الفساد استوطن وعشش كخلايا العنكبوت، وجذور الاستبداد والظلم باتت راسخة كرسوخ الجبال، نحن من ساندنا السيسي وفوضناه، نحن من تشبثنا بالأمل الكاذب، رفضنا الواقع وصدقنا الوهم الذي يروجوه لنا، والذي نعلم جيدًا أنه وهم سراب، ولكننا نُنكر هذا الواقع البائس لأننا لا نريد أن نصدقه، نعم لا نريد أن نصدقه.. لأننا لو صدقناه سيكون رد فعلنا عنيفًا، ليس كسابقيه، سيحدث مالم يُحمد عُقباه، ستكون هذه المرة ثورة جياع في المقام الأول، الفقراء يزدادون فقرًا والأغنياء يزدادون غناءً وثراءً فاحشًا، لذا نستمع إلى الإعلام المضلل الفاسد ونحن نعلم من داخلنا جيدًا أنه كاذب ومنافق.
 
ولكننا لا نملك من الأمر شيئًا سوى التمادي والتماهي في تصديقه؛ لأننا شاركنا في هذه الحالة، نحن من أيدنا السيسي وجعلناه فوق رؤوسنا، فوضناه أن يقتل ويسجن، على أمل أن يحقق لنا هذا الأمن والاستقرار، حاصرتنا الأخبار تفجيرات هنا واغتيالات هُناك، المؤامرات الخارجية التي تُحاك ضد مصر لتقسيمها لتصبح مثل سوريا وليبيا، صورة القائد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حامي حمى الديار المصرية وقاهر الإرهاب، المُضحي من أجل بلاده، وكاشف المؤامرات من عملاء الداخل المدفوعين من الخارج، الممولين، الخونة، العُملاء.. نُكذب فطرتنا وما يجوب داخل أعماقنا بأن البلد تسير نحو القاع بقوة الصاروخ.
 
كُنا نعتقد أننا بمنأى ومأمن عن الظلم والبطش، ولكن الظلم طال الجميع، رجال الشرطة الذين سامحناهم وبعد ذلك حملناهم على أكتافنا بالأمس يبطشوا بنا اليوم دون رحمة أو شفقة، كأننا خِراف لا وزن ولا قيمة لنا.. يتابع حديثه دون توقف، ودون أن ينتظر ردًا منى يُشفي غليله أو يثنيه عن هذه الأفكار التي يعلم جيدًا أن مُجرد مجاهرته بها من الممكن أن تؤدي به إلى غياهب السجون: هذا الطالب ابن جار لي تم إلقاء القبض عليه لأنه لا يحمل بطاقة، كان أمام منزله، تم حبسه لنفاجأ جميعًا أنه مُتهم بالانضمام لجماعة إرهابية، هذا الشاب الذي كان من أشد مؤيدي السيسي بات متهمًا بالانضمام لجماعة إرهابية ومحاولة قلب نظام الحكم المستقيم!!
 
لم يعلموا أنهم حين كانوا يحشدون الناس بكل ما أوتوا من قوة، وقت حُكم مرسي، ويحملونه هو شخصيًا، دون حكومته، كل المصائب والكوارث التي تحدث في مصر، والحقيقة أن ما يحدث اليوم من مصائب وكوارث يتحمل السيسى دون غيره مسئوليتها، وأن شماعة الإخوان التى نُعلق عليها كل شئ وأى شئ باتت سخيفة وساذجة، لا يتحملها عاقل أو نصف عاقل.. باختصار لم نعد نصدقها، مثلما كُنا نفعل في السابق، بعدما رأينا بأعيننا بطش الداخلية، وبعدما غصنا بأقدامنا في الوحل المخلوط بمياه الصرف الصحي والأمطار ونحن آمنين، أو كما كنا نعتقد أننا آمنين داخل غرف نومنا. ثم تركني ليُكمل مسيرته داخل الوحل.
 
مصر أصبحت غارقة في الخوف والخضوع والمذلة، روحها أصبحت منقبضة رعبًا من الحاضر والمستقبل القريب، وعندما ندق ناقوس الخطر، ونصرخ من أعماقنا صرخات مدوية تتناسب طرديًا مع حجم الكوارث والمصائب التي تحل بطول وعرض البلاد، ونطالب بالشفافية ومحاسبة المخطئين، يتكاتف علينا حاملي مباخر النفاق، يرددون سيمفونية نشاز، بقدرة تثير الشفقة والغثيان على الضجيج الفموي، هؤلاء يريدوننا أن نطأطئ الرأس ونتعلم آداب السلوك، أي التملق والتزلف ومحاكاة الثعابين في المراوغة وعلم التبرير، يريدون منا أن نسير على دربهم وننتهج نهجهم، أن نأتي بكتالوج التبريرات ونأخذ منه ما يواكب الحدث، فلو غرقت الشوارع والميادين ومات المصريون غرقًا وصعقًا، نتيجة الإهمال والفساد وعدم محاسبة المسؤولين؛ فمن فعل ذلك هم الإخوان الملاعين.. ولو قررت إنجلترا وفرنسا وألمانيا والإمارات وإيطاليا وقف الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ، أو عندما تعلن روسيا عن سحب رعاياها من مصر؛ فبالتأكيد هؤلاء النشطاء العملاء، الممولين، هم السبب الرئيسي في هذا القرار.
 
تأملوا المشهد جيدًا، وضعوا صوب أعينكم من يجب أن توجه إليه أصابع الاتهام، وجهوا نقدكم لمن يقمع وينهب ويغرق مصر، من جعل أم الدنيا أضحوكة كل الدنيا، ولا تختزلوا مصر في شخص أو رمز، فمصر أكبر بكثير من هذا أو ذاك.
 
لا تكونوا دوجماطيقين، بتأييدكم الأعمى للسلطة، وتعتقدوا أنكم وحدكم من يمتلك الحق المطلق، وما عاداكم إما على باطل أو يريد زعزعة استقرار البلاد، وكفوا ألسنتكم قليلًا عن الشباب الذين تتهمونهم دائمًا بالعمالة والخيانة، لأنه يحذركم أن البلد الذي يعيش فيه آيل للسقوط، وأن مصر بها داء كبير يحتاج إلى علاج كبير.
 
مصر ياسادة تقع في المركز 139 وقبل الأخير في جودة التعليم، وتحتل المركز الأول عالميًا في معدلات حوادث الطرق، المركز الأول في معدلات الإصابة بفيروس سى، حسب "منظمة الصحة العالمية"، وتحتل المرتبة الأولى في نسبة الأمية على مستوى الدول العربية، واحتفظت بالمرتبة الأولى أيضًا في تلوث الهواء، وحصلت على لقب الدولة الأكثر تلوثًا في العالم، كما تربعت أيضًا على رأس قائمة الدول الأكثر تدهورًا في مجال التخطيط العمراني، واحتلت المركز السادس فى قائمة الدول الأكثر تعاسة بعد العراق.

وبعد كل هذا يبقى السؤال.. لماذا يتآمر العالم كله علينا كما يصور لكم الإعلام ومصر تحتل كل هذه المراكز المتدنية.. مجرد سؤال لا يرده سوى الرنين.


  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك

0 comments:

Item Reviewed: حوار مع مواطن عالق في مياة الامطار Description: توقف عقلي للحظات عن استيعاب رد الرجل المسن وهو عالق في مياه الأمطار التي تُغطي منتصف قدميه، عندما كنا نعبر الشوارع بحركات بهلوانية، لا تتناسب مع كهولته وشيخوخته، تلتقط أنوفنا مجموعة كبيرة من روائح أكوام القمامة التي تطفو فوق مياه الأمطار المختلطة بمياه الصرف، غير الصحي. Rating: 5 Reviewed By: Eslam Hwda
Scroll to Top